الحكيم الترمذي
72
غور الأمور
فطنة قلبه ، ورآه زائلا . علم أنه ليس من ذلك النور ، وتبرأ منه ، وفزع إلى ربه فقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 1 » . وذلك من اللّه عز وجل له ابتلاء واختبار ، إذ أراد أن يتخذه لنفسه خليلا ، ولا يتوهم فيه أنه شك في ربه ، ولهذا غور بعيد لا يمكن صفته ، وفي قدر ما وصفنا كفائه المستنبط العليم . تفسير قوله تعالى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ : تفسير قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 2 » - قال له قائل : فقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، ما هذه الألف هاهنا ؟ قال له وجهان : وجه باطن ، ووجه ظاهر . أما الوجه الظاهر فهو وجه للاستفهام ، والاستفهام من السائل للمسئول نصف الجواب ، وهو التلقين والإشارة إلى ما عند المسؤول في قلبه من الموجود ، والمدرك ، والمفهوم ، والمعلوم ، والموصوف ، كذا وجدنا في مجارى كلام العرب . وانما استفهم الرب في ذلك الوقت ، لأن نور المعرفة كان عندهم بالحظوظ التي أصابوا من أبيهم يوم الخلقة ، وقربة النفخ ، وقربة التصوير ، وصنعة اليد . فقال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ يذكرهم ، ويستحفظهم ، ويستجلبهم للذكر من ذلك الصنع الذي صنع بهم يوم آدم ، وما أكرمهم به من النور ، ونفخ الروح ، وصنعة اليد ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام / الآية 79 . ( 2 ) سورة الأعراف / الآية 172 . وهو قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ .